ابن قيم الجوزية

573

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وسروره : لا يقعد به عن ترقيه إلى ميدان مشاهدته ، بل يرقى بسروره إلى المشاهدة . ويرجع من رجائه إلى البسط . ومن خوفه إلى القبض . ومقصوده : أن ينتقل من أشباح هذه الأحوال إلى أرواحها . فإن الخوف شبح . والقبض روحه . والرجاء شبح ، والبسط روحه . والسرور شبح ، والمشاهدة روحه . فيكون حظه من هذه الثلاثة : أرواحها وحقائقها لا صورها ورسومها . قال « الدرجة الثالثة : معرفة الأدب . ثم الفناء عن التأدب بتأديب الحق . ثم الخلاص من شهود أعباء الأدب » . قوله : « معرفة الأدب » . يعني لا بد من الاطلاع على حقيقته في كل درجة . وإنما يكون ذلك في الدرجة الثالثة . فإنه يشرف منها على الأدب في الدرجتين الأوليين . فإذا عرفه وصار له حالا . فإنه ينبغي له أن يفنى عنه ، بأن يغلّب عليه شهود من أقامه فيه . فينسبه إليه تعالى دون نفسه . ويفنى عن رؤية نفسه ، وقيامها بالأدب بشهود الفضل لمن أقامها فيه ومنته . فهذا هو الفناء عن التأدب بتأديب الحق . قوله : « ثم الخلاص من شهود أعباء الأدب » . يعني : أنه يفنى عن مشاهدة الأدب بالكلية ، لاستغراقه في شهود الحقيقة في حضرة الجمع التي غيبته عن الأدب . ففناؤه عن الأدب فيها : هو الأدب حقيقة . فيستريح حينئذ من كلفة حمل أعباء الأدب وأثقاله . لأن استغراقه في شهود الحقيقة لم يبق عليه شيئا من أعباء الأدب . واللّه سبحانه وتعالى أعلم . منزلة اليقين ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « اليقين » . وهو من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد . وبه تفاضل العارفون . وفيه تنافس المتنافسون . وإليه شمر العاملون . وعمل القوم إنما كان عليه . وإشاراتهم كلها إليه . وإذا تزوج الصبر باليقين : ولد بينهما حصول الإمامة في الدين . قال اللّه تعالى ، وبقوله يهتدي المهتدون : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ ( 24 ) [ السّجدة : 24 ] . وخص سبحانه أهل اليقين بالانتفاع بالآيات والبراهين . فقال ، وهو أصدق القائلين : وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ ( 20 ) [ الذّاريات : 20 ] . وخص أهل اليقين بالهدى والفلاح من بين العالمين ، فقال : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( 4 ) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 5 ) [ البقرة : 4 ، 5 ] . وأخبر عن أهل النار : بأنهم لم يكونوا من أهل اليقين ، فقال تعالى : وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ( 32 ) [ الجاثية : 32 ] . ف « اليقين » روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح . وهو حقيقة الصديقية . وهو قطب هذا الشأن الذي عليه مداره .